الموسوعة الإلكترونية الشاملة للتراث الثقافي والروحي للطريقة المريدية ww.wikimouridia.com

يقولون مَرَّ وهذا الْأَثرْ !! “

Posted on 3 مايو, 2016 | in أعلام | by

يقولون مَرَّ وهذا الْأَثرْ !! ” بقلم المفتش عبد الأحد لوح
من أروع ما أثمرَتْه قريحة أمير الشعراء أحمد شوقي قصيدة بديعة جاء فيها :
وكُن رَجُلاً إن أتَوْا بعده      يقولون مَرَّ وهذا الأثرْ!!
ومن دون مقدمات أرى هذا البيت خلاصة معبرة عن حياة عمنا الراحل السيد شيخنا لوح الذي وافته المنية سحَرَ الأحد 15 رجب 1437هـ الموافق 24 أبريل 2016م بعد حياة حافلة بالحركة والبركة في ميدان العلم والحكمة دراسة وتدريسا وبحثا ونشرا وتبليغا.

 لقد فاجأتنا نكبة وفاة هذا الحبر، ونحن في أمس الحاجة إلى ثقافته الموسوعية وخبرته العميقة وحكمته في التعامل مع الناس على اختلاف أعمارهم وطبقاتهم؛
ومن المحقق أن هذه العبقرية لا تعد غريبة في حق شخصية على وزن ” سَرِينْ شيخنا لوح ” الذي نشأ في بيئة أسرية مهيأة لنمو بذور التبحر العلمي ؛ فهو سليل رَمْزَيْن من رموز العلم والعمل في الطريقة المريدية هما : والده الشيخ مختار بنت لوح، وجده ( والد أمه) الشيخ إبراهيم فاط مباكي، أخو الشيخ الخديم وخليفته في مهمته التربوية طيلة غيبته البحرية.
ولقد رأى فقيدنا النور في منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي، حيث حفظ القرآن في المدرسة القرآنية التي أقامها والده في قرية ” التنعيم” وأسند إدارتها إلى مريده الشيخ مُورْ تَالَ تيامْ، فشرع في دراسة العلوم اللغوية والشرعية في قرية ” كوسو Kosso ” عند خاله الشيخ محمودا مباكي، وبعد إكماله دراسة الكتب المقررة في ذلك المجلس المشهور، ارتحل إلى بوادي موريتانيا ملتحقا بمجالسها ليُرْوِيَ تعطشه إلى المعرفة والحكمة، جريا على عادة نفر من جيل أبناء الشيوخ المريدين في تلك الحقبة. وكان- رحمه الله- ممن يشار إليه بالبنان؛ لتفوقه في جودة الذكاء وسرعة التحصيل. وعند إتمام دراسته في موريتانيا، عاد إلى السنغال ليستأنف حياة جديدة أساسها العلم والعمل والخدمة ؛ حيث انخرط في سلك التدريس الحكومي بعد سنوات قليلة من استقلال السنغال، ولم يُنسِه ذلك تقاليد أسرته العريقة في العناية بالقرآن والعلم الشرعي؛ فأسس مدرسة قرآنية وحلقة علمية في رحاب منزله بدار المنان في طوبى، تخرج فيهما عدد من أبناء إخوته وأخواته وأتباعه. ولم يكتف بذلك بل أنشأ في قرية ” بيد نغيل” BIDNGUEL بمنطقة “سالم” مدرسة قرآنية أخرى كان يشرف عليها شخصيا، ولما تقدم به العمر، أسند إدارته إلى ابنه البار الشيخ مختار لوح الذي مازال قائما على أمر هذا المركز التربوي.
ومعنى ذلك أن “سَرِينْ شيخنا لوح” كان يضع قضية التعليم والتربية والتكوين والإصلاح فوق كل اعتبارات الدنيا؛ بل بذل لها ما كان يملكه من وقت وجهد ومال وفكر.
و لعل من الجدير بالذكر والتنويه أنني عقدت معه خلال الخمس عشرة الأخيرة جلسات لا أحصيها عددا؛ من أجل تحقيق مسائل علمية في غاية الأهمية، غير أن من الصراحة أن أعترف بأن أكثر ما أثار إعجابي بشخصيته، إنما هو تَحَلِّيهِ بصفات العلماء الباحثين المحققين ؛ فمن ذلك :
1- الصدق: لقد كان العم المرحوم صادق اللهجة يؤدي الأخبار والروايات بتفاصيلها من غير تفخيم ولا تهويل.
2- الأمانة: وتتجلى أمانته العلمية في التثبت من النقل والإسناد؛ فكان يهتم اهتماما لافتا بإسناد كل رواية إلى المصدر الذي نقلها عنه.
3- الموضوعية : فلم يكن يقدم معلومة إلا ويُقَلِّبها على أوجُهِها، ويضعها في مِحَكِّ النقد والتنقيح -كائنا ما كان المصدر- إلى أن يقتنع جليسه بوجاهة الطرح الذي يدافع عنه لقوة حججه وسطوع براهينه.
4- سَعَة الاطِّلاع، وتنوع المعارف التي كان يشعر بالارتياح إذا تناول قضاياها، لدرجة أن جليسه قد يخيل إليه أنه أمام شخص يعرف شيئا عن كل شيء! و تلك هي الثقافة العامة التي كان الفقيد طويل الباع، راسخ القدم فيها. وأعترف – في هذا المقام- بالغبطة العظيمة التي داخلتني حين أحسست بحاجته إلى برامج علمية إلكترونية تُرَكَّب في جهازه الشخصي، حيث لعبت دور همزة الوصل بينه وبين صديقي المفتش عبد السلام سيلا الذي أشبع قدرا كبيرا من حاجته إلى المراجع، فصار هو الآخر من أصدقائه! ومن ثم أعد لنفسه – على تقدم سنه- برنامجا يوميا لمطالعة الكتب الإلكترونية النادرة ، ويجد من اللدة والسعادة ما كان يخبر به جلساءه. ولا يخفى على أحد أن هذه المسايرة العلمية للعصر نادرة في أمثاله سنا وطبقة وبيئة!
5- رحابة الصدر : ومع روح النقد العلمي الذي كان يتحلى بها، لم يكن المرحوم في مناقشاته ممن يحصُر الحق في معسكر طائفي معين، أو يتحامل على العلماء من الطوائف المخالفة. وآية ذلك أنك تجد من بين أصدقاء المرحوم علماء ينتمون إلى مختلف التيارات والاتجاهات الدينية في السنغال، وما ذلك إلا لبعده عن التعصب الطائفي.
6- التوازن : من أبرز السمات التي كان المرحوم يتميز بها في مناقشاته، واختياراته العلمية. وكان ضغط العاطفة أضعف من أن يحركه يمينا أو شمالا لتَبَنِّي الآراء الشائعة التي لا تترجح عنده بالدليل العلمي، أو البرهان المنطقي.

وبالإضافة إلى الأخلاق العلمية التي ذكرتها في الفقرة السابقة،، تحلى السيد شيخنا بأخلاق سلوكية فتحت له قلوب العالمين؛ حيث كان :
1- اجتماعيا يرى عبادةً خدمةَ الناس، والتعاون معهم في السراء والضراء،
2- عِصَامِيًّا يعتمد على عرق جبينه في كسب الحلال، ولم يكن متَّكلا على الأحساب، مصداقا لقول والده الشيخ مختار بنت لوح :
وليس الفتى من قال كان جُدودُنا +++كذا وكذا لكن أخو العَزْم والحزْم
3- حَسَن المعاملة : رغم هيبته و وقاره في الظاهر الذي قد يَخدع الناظر لأول وهلة ، إلا أن الشيخ كان ينطوي على كثير من دماثة الخلق ولين الجانب، يعرفه من خالطه، أو تعامل معه في قضية جادة؛ إذ يجدُه حقا ممن يَأْلَفُون ويُؤْلَفون.
4- متسلحا بعزة المؤمن وشخصية الأحرار، وذلك بالترفع عن الدنايا والبعد عما يُخِل بالمروءة والكرامة حيث كان.
5- قنوعا راضيا بما قسم الإله له من معيشة ورزق؛ نظرا لأن قيمة الفرد لا تتحدد بالمال، وإنما بالعلم وخدمة الدين ونفع الورى؛ فلقد كان شعاره في ذلك ما قال والده الشيخ مختار بنت لوح :
وأموالُ تِي الدنيا ظِلالٌ فإنها +++تَفَيُّؤُها يُمْنَى ويُسْرَى بِنا تَرْمِي
ولقد حكى لي يوما قصة طريفة تؤكد هذا الكلام؛ إذ اعتزم مرة على الارتحال إلى أروبا لزيارة الأتباع هناك – على عادة الشيوخ- إلا أنه فتح قصيدة من قصائد الشيخ أحمد الخديم – رضي الله عنه- فوقع نظره على البيت التالي :
مَدُّ يَدِي لغَيْر ذي الجلالِ+++ لم يَكُ عِنديَ من الكمالِ
فما كان منه إلا أن تراجع وتنازل عن الرحلة بتأثير من منطوق هذا البيت!!
ولعل من أجل هذه القيم الشخصية التي صارت حليته وسيماه ، حظي باحترام ومكانة خاصة لدى العامة والخاصة، في أوساط المشايخ والمتعلمين وذوي القربى والمعارف صغارا وكبارا، رجالا ونساء. فكل هؤلاء فوجئوا، عند ما رحل عمنا عن هذه الدنيا الفانية، ولسان حاله يقول :
رحلتُ فكَم باكٍ بأجفان ضيغم ++++ علَيَّ وكم باكٍ بأجفان شادن ِ !
لقد بكاك قلبي المعذب الحزين بفراقك المفاجئ يا عماه، ولكن ما فائدة البكاء على راحل؟ وأنا أعرف أن مثَلي ومثَلك ما قال الشاعر:
بكَيْتُك يا علي بدمْع عيْني+++ فلمْ يُغْن البكاءُ عليْك شيَّا
وكانت في حياتك لِي عظاتٌ++++وأنت اليوم أَوْعظُ منك حيَّا
لقد تضاعف إحساسي بالتوتر والأسى، حين تذكرت أني زرتك قبل الأجل المحتوم بثلاثة أسابيع وتحديدا في الثالث من شهر أبريل الماضي، فاستقبلتني- على عادتك- بدِفْء الأبوة وحفاوة المودة، وتبادلت معك عبارات لم أكن أعرف أنها خاتمة الكتاب الذي طالما فتحته معي في كل زيارة وفي كل جلسة. ولا أعتقد أن ذكرى ذلك المشهد المَهِيب ستفارق مُخَيِّلتي في مستقبل أيامي، غير أن عَزائي الوحيد بعد الإفاقة من صدمة الخَطْب الجَلَل، أنك ورَّثْتَنا منهجا في إحياء العلوم ونفع الورى ستبقى معالمه واضحة، وآثاره بادية للعيان؛ على حد قول الشاعر:
وكُن رَجُلاً إن أتَوْا بعده +++++++++ يقولون مَرَّ وهذا الأثرْ!!
تقبل الله منك صالح العمل، وخلد تراثك العلمي في ذريتك، وألحقك بأحبابك ” الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا….

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Recent Posts

Default utility Image دراسة سيميولوجيا تواصلية لصورة الشيخ صالح بسم الله الرحمن الرحيم كائنا من كان في حياتنا اليومية ذا بصر سليم يرى أن...
Default utility Image محبة الرسول الكريم عند العبد الخديم في هذا العصر الذي طغت فيه المادية بمذاهبها وفلسفاتها النفعية، وسادت الكراهية والوحشية بظهور نابتة...
Default utility Image رحيل البطل! رحيل البطل العلامة الشيخ سيدي بوسو ابن الشيخ مولاي علي ابن الشيخ امباكي بوسو رحمهم...
Default utility Image يقولون مَرَّ وهذا الْأَثرْ !! “ يقولون مَرَّ وهذا الْأَثرْ !! ” بقلم المفتش عبد الأحد لوح من أروع ما أثمرَتْه...
Default utility Image الحكمة في تعاليم الشيخ الخديم رضي الله عنه معنى الحكمة في اللغة والاصطلاح: والحِكْمَةُ في اللغة هي الاتقان والاحكام، وأما الحكمة عند الفلاسفة...

Recent Posts

Default utility Image Default utility Image Default utility Image Default utility Image Default utility Image

Recent Posts

Default utility Image دراسة سيميولوجيا تواصلية لصورة الشيخ صالح بسم الله الرحمن الرحيم كائنا من كان في حياتنا اليومية ذا بصر سليم يرى أن...
Default utility Image محبة الرسول الكريم عند العبد الخديم في هذا العصر الذي طغت فيه المادية بمذاهبها وفلسفاتها النفعية، وسادت الكراهية والوحشية بظهور نابتة...
Default utility Image رحيل البطل! رحيل البطل العلامة الشيخ سيدي بوسو ابن الشيخ مولاي علي ابن الشيخ امباكي بوسو رحمهم...
Default utility Image يقولون مَرَّ وهذا الْأَثرْ !! “ يقولون مَرَّ وهذا الْأَثرْ !! ” بقلم المفتش عبد الأحد لوح من أروع ما أثمرَتْه...
Default utility Image الحكمة في تعاليم الشيخ الخديم رضي الله عنه معنى الحكمة في اللغة والاصطلاح: والحِكْمَةُ في اللغة هي الاتقان والاحكام، وأما الحكمة عند الفلاسفة...

Tag Cloud

Close Box

Please enter your username or email address.
You will receive a link to reset the password via email.