الموسوعة الإلكترونية الشاملة للتراث الثقافي والروحي للطريقة المريدية ww.wikimouridia.com

الحكمة في تعاليم الشيخ الخديم رضي الله عنه

Posted on 3 مايو, 2016 | in العبد الخديم | by

skebeمعنى الحكمة في اللغة والاصطلاح:

والحِكْمَةُ في اللغة هي الاتقان والاحكام، وأما الحكمة عند الفلاسفة والحكماء فيقصدون بها معنى فكريا وأخلاقيا خاصا، وهو ضرب خاص من السلوك الفردي القائم على مبدأ العدالة والاستقامة ، أو على فكرة الاصابة والسداد في القول والعمل، وعلى الانسجام الكوني والاتساق الوجودي، قال العلامة الراغب الاصفهاني في كتابه القيم مفردات القرآن: ((والحِكْمَةُ: إصابة الحق بالعلم والعقل، فالحكمة من الله تعالى:”معرفة الأشياء وإيجادها على غاية الإحكام، ومن الإنسان: معرفة الموجودات وفعل الخيرات[1].

معنى الحكمة عند الصوفية

ومعنى الحكمة عند الصوفية، هي : (مواهب ترد على قلوب الأنبياء والأولياء عند تجلي صفات الجمال والجلال، وفناء أوصاف الخلقية لشواهد صفات الخالقية، فيكاشف الأسرار بحقائق معانٍ أورثتها تلك الأنوار[2])

أو هي (نور من أنوار صفات الحق، يؤيد الله به عقل من يشاء من عباده، فيكون له كما قال:  نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ } النور: 35]، فمن أكرم بهذا النور فقد أوتي كل حبور وسرور[3])

ولبيان الفرق بين الحكمة بمعناها الصوفي والحكمة بمعناها الفلسفي ؛ قال الشيخ نجم الدين الكبرى في تفسيره القيم التأويلات النجمية : (( فمن ذلك يفتح الله تبارك وتعالى على قلبه باباً من خزائن حكمته عاجلاً، وهي مختصة بمشيئة إلاهية لا مشيئة الخلق كما ظن الفلاسفة والأطباء، فإنه تبارك وتعالى: { يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ } [البقرة: 269].

فظن قوم أن الحكمة مما يحصل بمجرد التكرار وهي نتائج الأفكار، وما فرقوا بين المعقولات والحكميات والإلهيات، فالمعقولات مشتركة بين أهل الدين وأهل الكفر، وبين المقبول والمردود، فالمعقول ما يحكم عليه ببرهان عقلي، وهذا ميسر لكل عاقل بالدراية وبالقوة، فمن صفي عقله عن شوائب الوهم والخيار بدرك عقله المعقول بالبرهان ورأيه عقلية، ومن لم يصف العقل عن هذه الآفات، فهو يدرك المعقول قراءة بتفهيم أستاذ مرشد، فإن الحكمة ليست من هذا القبيل، فإن العقول عن دركها بذواتها محتسبة، والبراهين العقلية والنقلية عنها مخنسة، فإنها مواهب ترد على قلوب الأنبياء والأولياء عند تجلي صفات الجمال والجلال، وفناء أوصاف الخلقية لشواهد صفات الخالقية، فيكاشف الأسرار بحقائق معانٍ أورثتها تلك الأنوار، ستر البشر وإضمار بإضمار، فإمارة صحتها معادلتها لحقائق القرآن، بل هي عين حقائق القرآن، كما قال صلى الله عليه وسلم:أوتيت القرآن وما يعدله ” أشار بهذه إلى الحكمة، ولهذا قال سهل رضي الله عنه في تأويل الحكمة: هي السنة.))

الحكمة عند العارفين :

فالحكمة بالمعنى الصوفي إذن ليست مرادفة للفلسفة ولا هي نتاج عن اتباع المنهج البرهاني العقلاني المجرد في التفكير وطلب المعرفة، بل حقيقة الحكمة في كلام الأولياء والعارفين هي نور رباني يقذفه الله في قلوب من شاء من عباده الاخيار، قال شيخنا الخديم  رضي الله عنه : ((الحكمة كالمطر، وقلب المُريد كالمدر، وقلب المَريد كالحجر، أي الحكمة  تهوي من السماء إلى القلوب ، فلا تسكن في قلب فيه أربع خصال: الركون إلى الدنيا، وهم غد، وحسد أخ ، وحب شرف.))

ويؤيد ذلك ما قاله الشيخ نجم الدين الكبرى في تفسيره التاويلات النجمية، حيث قال : (( فحقيقة الحكمة نور من أنوار صفات الحق، يؤيد الله به عقل من يشاء من عباده، فيكون له كما قال:  نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ } النور: 35]، فمن أكرم بهذا النور فقد أوتي كل حبور وسرور، وأوتي مع الحكمة خيراً كثيراً، كما قال تعالى: { وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً } [البقرة: 269]؛ يعني: لذلك النور فوائد وخيرات كثيرة، فمن جملتها الحكمة، فمن يؤت الحكمة فقد أعطي ذلك النور { فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً } [البقرة: 269]، فافهم جدّاً.واغتنم واجتهد أن تتعظ به وتكون من ذويه؛ لأنه تعالى: { وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ } [البقرة: 269]؛ وهم الذين لم يقنعوا بقشور العقول الإنسانية، بل سعوا في طلب لبُّها بمتابعة الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – فأخرجوهم من ظلمات قشور العقول الإنسانية إلى نور لُب المواهب الربانية، فتحقق لهم أن وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ } النور: 40]، فانتبه أيها المغرور المفتون بدار الغرور، وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ } لقمان: 33].

أصل الحكمة ومنبعها :

فالحكمة كما رأينا مواهب إلهية ترد على قلوب الأنبياء والأولياء عند تجلي صفات الجمال والجلال، وفناء أوصاف الخلقية لشواهد صفات الخالقية، فيكاشف الأسرار بحقائق معانٍ أورثتها تلك الأنوار، ستر البشر وإضمار بإضمار، فإمارة صحتها معادلتها لحقائق القرآن، بل هي عين حقائق القرآن، كما قال صلى الله عليه وسلم: ” أوتيت القرآن وما يعدله ” ..

وقد بين الشيخ أن أنوار  الحكمة كانت راسخة في أصل فطرة الإنسان منذ الميثاق الأزلي ، وأن الإنسان سيبقى متمتعا بهذه المنحة الالهية  ما دام محافظا على مقتضيات الميثاق الازلي، ولم يفقدها الانسان إلا بعد أن أخل بالعهد وأخلف الوعد بلزوم بساط العبودية الحقة، قال الشيخ الخديم رضي الله عنه في هذا الصدد:

((إن الله تبارك وتعالى جمع الأرواح في الأزل في عالم الأرواح وتجلى لهم بقوله}: ألست بربكم قالوا بلى سورة الأعراف أية {، أبرارا وفجارا. وأما الأبرار فقالوها حبا وكرامة فابتلعوها، وأما الفجار فقالوها ، وثبتوها في الأفواه لهيبة المقام، وحين حصلت الأرواح في الأبدان وأحست ببعض قوتها، تقيّأت ولفظت الحكمة .وأما الأبرار فحين حصلت الأرواح في الأبدان وتدنست القلوب، فرت الحكمة عنها، ومن تاب منهم رجعت الحكمة إليه، فهي ضالة له من حيث أنها كانت له قبل، وكانت فرت لتدنسه، وحين تطهّر فلا تمتنع هي أي”الحكمة” منه، ولا يمتنع هو منها، الحمد لله.)

أسباب ضياع الحكمة عند الانسان:

وقد بيّن الشيخ رضي الله عنه أن الركون الى الدنيا ، والغفلة عن الله تعالى بسبب الحرص على الدنيا، إلى جانب الفساد اللأخلاقي كالحسد وحب الرئاسة والتنافس على المال والجاه ، كل هذه من بين الأسباب التي ساهمت في فقدان الانسان لهذه النعمة الإلهية فقال رضي الله عنه: ((الحكمة  تهوي من السماء إلى القلوب ، فلا تسكن في قلب فيه أربع خصال: الركون إلى الدنيا، وهم غد، وحسد أخ ، وحب شرف.))

ومن بين تلك الاسباب أيضا تدنيس الفطرة الإنسانية الطاهرة بأرجاس الكفر والفسوق والعصيان التي تحول دون عودة تلك الأنوار الى القلوب، قال الشيخ رضي الله عنه :

“إن الله تعالى لما خلق الأرواح جميعا خاطبهم بـ ألست بربكم؟ فقالوا جميعا بلى ، منهم من قال بلى طوعا، ومنهم من قال بلى كرها ، ومن قال بلي طوعا نفذ إيمانه بقلبه، ومن قال بلى كرها مج إيمانه بعد ذلك، ولذلك قال: {فمنكم كافر ومنكم مؤمن سورة التغابن أية }.  ولما أدخل الأرواح في أجسام المؤمنين فرت الحكمة من الأدناس، ولما تابوا توبة نصوحا رجعت الحكمة إليهم. ولذلك قال الله تعالى : {ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا  سورة البقرة :  }.”

طرق لاستعادة الحكمة  الضائعة:

وقد ذكر الشيخ الخديم رضي الله عنه اوصافا عديدة تؤهل العبد لاستعادة هذه الكنوز الفطرية الضائعة في الانسان ، فقال في معنى ذلك : ((الحكمة تهوي من السماء إلى القلوب، فإذا هوت إلى قلب المومن المتطهر ووصلت ، ولم تر دنسا ثبتت، فإذا يئست من رجوع الدنس رسخت وأصلحت ، ومعنى الإصلاح: أن تسكنه في التوحيد وفي نية الخير.))

ومن أسبابها العبودية الخالصة لله

وقد بيّن الشيخ رضي الله عنه في هذا الكتاب أن السبب الحقيقي لنيل الحكمة هو إخلاص العبودية لله وحده دون إشراك ما سواه فقال :

“الحكمة كالمطر، وقلب المُريد كالمدر، وقلب المَريد كالحجر، صدور الأحرار، قبور الأسرار”  وحقيقة الحرّ: من لا يعبد الدنيا ولا النفس، ولا الهوى ولا اللعين، فهو حينئذ صدره قبور الأنوار والحكمة والأسرار والبركات، وخيور الدنيا وخيور الآخرة. فمن ظن أنه عبد هنا، فهو هنالك حر ومالك وآكل، ومن ظن أنه حر هنا، فهو هنالك عبد ومملوك ومأكول.”

ومن اسباب نيل الحكمة أيضا الورع وترك الفضول وصوم الجوارح عن كل ما لا يعني ، قال رضي الله عنه :

” الصوم ثلاثة : صوم في اللسان، وصوم في الجوارح، وصوم في القلب، من صام في لسانه عن كل ما لا يعني لا يخرج من فمه إلا الحكمة، من صام في الجوارح عن الحرام والمكروه لا يفعل جوارحه إلا العبادة، من صام في القلب عن الفكرة الرديئة ونحوها، ملأ الله قلبه من الحكمة والأنوار والأسرار. تفكر ساعة خير من عبادة سنة. ”

ومن أسبابها العمل بالمعلوم:

ومن بين الاسباب التي ذكرها الشيخ رضي الله عنه لاستعادة هذه الكنز الضائع العمل بأوامر الله تعالى والاجتناب عن مناهيه ظاهرا وباطنا قال شيخنا رضي الله عنه:

“الحكمةُ تتولد عن العمل بالمعلوم، قال الله تبارك وتعالى: {ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتيَ خيرا كثيرا سورة البقرة آية }.  فعلى قدر تقوى العبد يكون تعليم الله له بقدر طاقته.”

وقد كرّر الشيخ هذه المعنى في مكان آخر حين قال رضي الله عنه : ” الحكمةُ تتولد بفعل واجب بلا تركٍ، وفعلِ مندوب بلا تركٍ، وفعل إصلاح المباح لهما بلا إفساد أبدا، وبعدم التوجه إلى الحرام أو المكروه أو اللغو أبدا، قال الله تبارك وتعالى: {ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتيَ خيرا كثيرا سورة البقرة : أية  }. هذا مسكن الأبرار، وهذا مسكن الأشرار.”

ومن شروطها صفاء الإعتقاد:

وإلى جانب صدق العبودية والورع وترك الفضول والعمل بالمعلوم، ذكر الشيخ الخديم رضي الله عنه شروطا أخرى ضرورية لتلقي هذا النور الرباني، فقال:

“ومن لازم إيجاب الواجبات ونفى المستحيلات وإيجاز الجائزات بقلبه، تأتيه الحكمة من رب العالمين ،ودفعت الشقاوة وجوالبها ، وإذا دخلت الحكمة القلب التفتت يمينا وشمالا، فإذا لم تر شيئا من الدنس جلست وثبتت ، وإذا سألت هل ياتي المجلس أم ؟ فأجيب بلا ، انتظرت وتأخرت زمانا، فإذا ثبتت زمانا ولم تر شيئا ولم تسمع شيئا من الدنس، رسخت قال الله تعالى : { والراسخون في العلم سورة آل عمران }  ”

ومن شروطها: التقوى

وقد بيّن الشيخ الخديم رضي الله عنه أيضا أن التقوى شرط أساسي لثبوت الحكمة في القلب، قالرضي الله عنه في تفسير قوله تعالى: {واتقوا الله ويعلمكم الله سورة البقرة : أية } :

” إن قلب المؤمن في ابتدائه يطلب من الله تبارك وتعالى تعليمه إياه. فقيل له من قبل الله تعالى: أتنا بالإيمان؛ لأنه هو الذي يقيك الكفر، ويدخلك في جملة من يطلبون منه التعليم، فأتى به.

فقيل له ثانيا:  أتنا بالإسلام؛ لأنه هو الذي يقيك الفسوق، فتصير عادلا لأن الفاسق لا سبيل لعاقل إلى معاملته، فأتى به، فقيل له ثالثا: أتنا بالإحسان؛ لأنه هو الذي يقيك الشرك الذي يوجب رد العمل، والعياذ بالله. فأن أتى به.

فقيل له: أتنا بالتقوى الذي هو امتثال الأوامر واجتناب المناهي باتيانك، فلم يبق عليك شرط واحد فتظفر بما لانهاية له من تعليمنا، والشرط أن تحلف لنا بأنك تقوم على الثلاثة، ولا تنكص على عقبيك، فإن أتى به كاملا لم يرتد، {أتاه} أنه تعليم الله بلا واسطة : {ومن يوت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا سورة البقرة : أية }.

…………………………………………………………………………………………………………..

 

[1]   مفرادات القرآن للراغب الاصفهاني مادة حكمة

[2]   تفسير التاويلات النجمية للشيخ نجم الدين الكبرى

[3]   تفسير التاويلات النجمية للشيخ نجم الدين الكبرى

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Recent Posts

Default utility Image دراسة سيميولوجيا تواصلية لصورة الشيخ صالح بسم الله الرحمن الرحيم كائنا من كان في حياتنا اليومية ذا بصر سليم يرى أن...
Default utility Image محبة الرسول الكريم عند العبد الخديم في هذا العصر الذي طغت فيه المادية بمذاهبها وفلسفاتها النفعية، وسادت الكراهية والوحشية بظهور نابتة...
Default utility Image رحيل البطل! رحيل البطل العلامة الشيخ سيدي بوسو ابن الشيخ مولاي علي ابن الشيخ امباكي بوسو رحمهم...
Default utility Image يقولون مَرَّ وهذا الْأَثرْ !! “ يقولون مَرَّ وهذا الْأَثرْ !! ” بقلم المفتش عبد الأحد لوح من أروع ما أثمرَتْه...
Default utility Image الحكمة في تعاليم الشيخ الخديم رضي الله عنه معنى الحكمة في اللغة والاصطلاح: والحِكْمَةُ في اللغة هي الاتقان والاحكام، وأما الحكمة عند الفلاسفة...

Recent Posts

Default utility Image Default utility Image Default utility Image Default utility Image Default utility Image

Recent Posts

Default utility Image دراسة سيميولوجيا تواصلية لصورة الشيخ صالح بسم الله الرحمن الرحيم كائنا من كان في حياتنا اليومية ذا بصر سليم يرى أن...
Default utility Image محبة الرسول الكريم عند العبد الخديم في هذا العصر الذي طغت فيه المادية بمذاهبها وفلسفاتها النفعية، وسادت الكراهية والوحشية بظهور نابتة...
Default utility Image رحيل البطل! رحيل البطل العلامة الشيخ سيدي بوسو ابن الشيخ مولاي علي ابن الشيخ امباكي بوسو رحمهم...
Default utility Image يقولون مَرَّ وهذا الْأَثرْ !! “ يقولون مَرَّ وهذا الْأَثرْ !! ” بقلم المفتش عبد الأحد لوح من أروع ما أثمرَتْه...
Default utility Image الحكمة في تعاليم الشيخ الخديم رضي الله عنه معنى الحكمة في اللغة والاصطلاح: والحِكْمَةُ في اللغة هي الاتقان والاحكام، وأما الحكمة عند الفلاسفة...

Tag Cloud

Close Box

Please enter your username or email address.
You will receive a link to reset the password via email.